صديق الحسيني القنوجي البخاري
550
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن ابن عباس قال : « جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح فأتاهم عبد المطلب فقال إن هذا بيت اللّه لم يسلط عليه أحد قالوا لا نرجع حتى نهدمه ، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر فدعا اللّه الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداء عليها الطين فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة وكان لا يحك الانسان منهم جلدة إلا تساقط لحمه » أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد وأبو نعيم والبيهقي . أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ أي مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة وهدمها واستباحة أهلها فِي تَضْلِيلٍ أي في خسارة وهلاك عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوا بكيدهم ، والهمزة للتقرير ، كأنه قيل قد جعل كيدهم في تضليل . والكيد هو إرادة المضرة بالغير ، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي ، ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم . قال ابن عباس « أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم ما جاء بك إلينا ألا بعثت فنأتيك بكل شيء فقال أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله ، فقال إنا نأتيك بكل شيء تريد . فارجع فأبى إلا أن يدخله ، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب ، فقام على جبل فقال لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله ، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال اللّه تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فجعل الفيل يعج عجا فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ أخرجه البيهقي وابن المنذر والحاكم وغيرهم ، وقصة أصحاب الفيل مبسوطة في كتب التفسير والتاريخ والسير فلا نطول بذكرها . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ عطف على أَ لَمْ يَجْعَلْ لأن الاستفهام فيه للتقرير فكان المعنى قد جعل ذلك وأرسل طَيْراً هو اسم جنس يذكر ويؤنث أَبابِيلَ نعت لطير لأنه اسم جمع أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا كالإبل المؤبلة ، فرجعوا هاربين يتساقطون بكل طريق . وكان هلاكهم قرب عرفة قبل دخول الحرم على الأصح . وقال جماعة : بوادي محسر بين مزدلفة ومنى ، قاله ابن حجر ، قال أبو عبيدة : أبابيل جماعات في تفرقة يقال جاءت الخيل أبابيل أي جماعات من ههنا وههنا ، قال النحاس : وحقيقته أنها جماعات عظام ، يقال فلان يؤبل على فلان أي يعظم عليه ويكبره ، وهو مشتق من الإبل ، وهو من الجمع الذي لا واحد له ، وقال بعضهم واحده إبول بكسر الهمزة مثل عجول ، وقال بعضهم إبيل كسكين . قال الواحدي : ولم نر أحدا يجعل لها واحدا ، قال الفراء : لا واحد له من لفظه ، وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها إبالة مشددا ، وحكى الفراء : أيضا إبالة بالتخفيف .